محمد أبو زهرة

1763

زهرة التفاسير

المؤدى ما يثبت لكم حال كونكم لا تقاتلون في سبيل الله ، فقوله سبحانه : لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ استفهام إنكاري ، وموضع الاستنكار أنهم لا يقاتلون في سبيل الله مع توافر دواعي القتال من الإيمان وحماية من تجب حمايتهم بحكم الشرف ، والكرامة الإنسانية . ثانيها : قوله تعالى : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فإنهم قالوا إن القتال لاستنقاذهم قتال في سبيل الله ، فلما ذا ذكر بعد القتال في سبيل الله ، وهو يشمله ؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن هذا من قبيل عطف الخاص على العام ؛ لأن للخاص مزيد عناية بيانية . ومنهم من قال إن قوله تعالى : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ منصوب على الاختصاص ، والمعنى : لا تقاتلون في سبيل الله وخصوصا المستضعفين إلخ . ومهما يكن من التخريج النحوي ، فإن المؤدى أن النص على هؤلاء للتحريض على القتال ، بحكم الشرف والمروءة ، بعد التحريض عليه بحكم الدين والقربى إلى الله سبحانه وتعالى ، ذلك أن العربي الكريم المعدن ، وإن لم يكن مؤمنا ، يرى من المروءة والشرف والنجدة ألا يعتدى على ضعيف ، لا قوة له ، وأن من الواجب عليه أن ينصره ، وأن يغيثه . ثالثها : أن النص على النساء والولدان الصغار فيه تحريض أقوى تحريض ؛ لأن هؤلاء يعيرون إذا تركوهم في أيدي الأعداء . وذكر الأولاد بالذات ، وهم لم يجنوا أي جناية ، فيه حث بذاته على القتال ، فإذا كان المشركون قد أفحشوا في الاعتداء ، فليس للمسلمين أن يخذلوا هؤلاء الضعفاء . وإن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والذرية ليسوا مستسلمين للظلم ، ولكنهم يريدون دفعه ، ويتجهون إلى الله تعالى أن يخرجهم منه ، إذ يقولون كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً لا يجدون لهم قوة إلا الدعاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى يطلبون معونته وإمدادهم ، فيقولون مقرين بأن لله وحده حق الربوبية ، وبأنه هو